الرئيسية / منوعات / مذكرات مسافر..

مذكرات مسافر..

 

نزل من التاكسي وأخذ يجر حقيبة ثقيلة تكاد تنفجر وراح نحو العربات المخصّصة للمسافرين.. جذب احدى العربات فوجدها ثقيلة جدا، جاهد بكل ما أوتي من قوّة ليدفعها حتى اختلطت رائحة عرقه برائحة العطر المقلّد الذي كان يضعه..  راح يلعن حظّه العاثر الذي قدّر له عربة معطلة، لم يشأ أن يغيّرها حتى لا يقال عنه أنه يسافر لأول مرّة.. في نهاية الطريق، اكتشف أنه بمجرّد الضّغط على مقود في العربة للأسفل، تسير بكل سلاسة فابتسم لجهله ثم واصل المسير..

كان يلبس بدلة سوداء رخيصة، اشتراها منذ يومين..  حلق ذقنه قبل ساعات من السفر بعد أن ترك شعر لحيته ينمو لأيام حتى يكون وجهه مشرقا عند السفر.. تفقّد علبة السجائر الأمريكية الفاخرة التي اقتنائها صباح ذلك اليوم ثم توقّف ليدخّن آخر سيجارة من تلك السجائر الرديئة التي رافقته خلال سنوات الفقر.

تحسس جيبه العلوي يبحث عن جواز سفره وخفق قلبه بعنف للمرّة الثالثة، كان في كل مرّة يعتقد أنه أضاع جوازه وينسي أنه وضعه في جيب السروال. عدّل ربطة عنقه التي تكاد تخنقه وأعاد مسح حذائه القديم بخرقة بيضاء ثم وقف أمام باب المطار. فُتح الباب آلياً فأسرع الخطى قبل أن يغلق الباب عليه فيصبح عرضة للتهكّم والسخرية. كان حريصا كل الحرص أن يظهر بمظهر المسافر المتعوّد.

كان للمطار طعم آخر هذه المرّة، كان الإحساس مختلفا.. شعور هو مزيج من الإثارة والخوف.. لم يجد الوقت ليفكّر في أهله وأصدقائه الذين تركهم وكان تفكيره معلّقا بعقد العمل الذي حصل عليه. أخيرا، سيركب الطائرة وسيشاهد ما تخفيه أبواب الجمارك. سحب من جيبه ورقة كتب فيها “دعاء السفر” راح يردّده بعجالة.. تذكّر بعض النصائح التي جمعها في المقهى في حارته عن بائعات الهوى وضرورة الابتعاد عن العرب في الغربة..

كان المطار يعج بالمسافرين، أناس من كل الأجناس تسرع في جميع الاتجاهات. اختلطت دموع الفرح و دموع الحزن، أناس تودّع وأناس تستقبل..  انطلق صوت أنثوي يكرّر نداء بأربع لغات، كان ينصت بانتباه شديد وكأنه يتلقّى أوامر من رئيسه في العمل “يرجى من السادة المدخنين عدم التدخين إلا في الأماكن المخصّصة..”  كان في كل مرّة يعيد الإنصات لنفس النداء وكأنه يسمعه لأول مرّة..

أدهشه كثيرا منظر فرنسية حسناء ترقد على أرضية المطار دون مبالاة وقد وضعت حقيبتها كوسادة ثم واصل طريقه.. مرّت عجوز إيطالية تجاوزت الستين مع شاب يافع لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره يدفع عربة الحقائب ويلبس معطفا إيطاليا من الجلد في فصل الصيف وقد صبغ شعره باللون الأصفر في محاولة لطمس جذوره العربية، لم يكن الموضوع بحاجة للكثير من التفكير لتعرف أنه تزوجها ليحصل على أوراق الجنسيّة..

وصل إلى طابور تغيير العملات وأخرج كل النقود التي جمعها، راح يرتبها بعناية شديدة حتى وصل إليه الدور فقدم الأوراق المالية للموظف الذي أعاد له ورقة بمائة دولار أمريكي مع وصل، دسها في جيبه بسرعة ليداري فضيحته..

شاهد أيضاً

لعبة الطيور الغاضبة على أي متصفح ويب

لم تعد لعبة الطيور الغاضبة Angry Birds -اللعبة الأكثر شهرة وانتشارا في العالم- تقتصر على …

13 تعليق

  1. أهذا أنت في أوّل رحلة لك 😛

    • 🙂 قد يكون.. ربما يكون نموذجا للشاب العربي المهاجر.. ما رأيك ؟ 🙂

      • وارد جدّا..
        تذكّرني بمواقف طريفة عشتها/عايشتها 🙂
        يوم اختفي جواز سفري في ملابسي (الوجهة مدريد، كانت أيّام برد ومعطف به ألف جيب!)، تعلّمت يومها عدّة دروس عملية عن الترتيب (والجيوب الشريرة).

        هناك أمور لا يمكن تعلّمها إلّا في المطار، عن الإنتظار، المظاهر، الأمل، الغضب، التناقضات، الفوضى، الخوف…

  2. متشوق لمعرفة البقية …. طريقة سرد رائعة للغاية

  3. أسلوب رائع للكتابة . فعلا أنت  جد موهوب… لا تكفي كلماتي للتعبير… تخفي شخصية رقيقة … رائعة …

  4. في انتظار البقية …

  5. مبدع في الطرح

    الله يعطيك العافية

  6. طريقة رائعة في السرد.. وهذا ما كان يحصل معي في اول رحلة لي، حيث أن للمطار رهبة وخوف ومشاعر متلاطمة بين الفرح لركوبك الطائرة لاول مرة وبين الخوف من حدوث اي عارض يقف في طريق لأنك لا تعر ما هي الطرق الصحيحة من اول مرة.. تسلم اخي

  7. لديك اسلوب جدا رائع في سرد الاحداث

    بوركت وبورك قلمك 

    واصل هالابداع 

    اختكم منال 

  8. مقالك رائع جدا اخذنا الى الاحداث التى مررت بها من خلال التدوينه احسنت

  9. لماذا لايوجد تدوينات جديدة في المدونه رغم ان التدوينة قبل الاخيرة كانت بعنوان لا تهجر مدونتك، دوّن للعالم..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *